السيد نعمة الله الجزائري
110
الأنوار النعمانية
أقول المراد بالدنيا في هذا الحديث هو ما سوى اللّه سبحانه من أصناف المخلوقات كلها فتشمل الأفلاك والعناصر والنفوس الناطقة وغيرها ، وهذا هو مذهب كافة أهل الملل كالمسلمين واليهود والنصارى والمجوس ، واما حكماء الفلاسفة فقد ذهبوا في القدم والحدوث إلى مذاهب كثيرة ، فذهب أرسطو ومن تبعه من متأخري الفلاسفة كالفارابي وابن سينا إلى انّ الأجسام قديمة بذواتها وصفاتها ، وتفصيل مذهبهم انهم قالوا الأجسام تنقسم إلى فلكيات وعنصريات اما الفلكيات فإنها قديمة بموادها وصورها الجسمية والنوعية واعراضها المعينة من المقادير والاشكال وغيرها الا الحركات والأوضاع الشخصية فإنها حادثة قطعا ، ضرورة ان كل حركة مسبوقة بأخرى لا إلى نهاية ، وكذا الأوضاع المعينة التابعة لها ، واما مطلق الحركة والوضع فقديم أيضا لان مذهبهم ان الأفلاك متحركة حركة مستمرة من الأزل إلى الأبد بلا سكون أصلا . واما العناصر فقديمة بموادها وصورها الجسمية بنوعها ، وذلك لان المادة لا تخلو عن الصورة الجسمية التي هي طبيعة واحدة نوعية لا تختلف الا بأمور خارجة عن حقيقها يكون نوعها مستمر الوجود بتعاقب افرادها أزلا وابدا ، وبصورها النوعية بجنسها وذهب بعضهم إلى أنها قديمة بذواتها محدثة بصفاتها ، وهو قول من تقدم أرسطو من الحكماء وهؤلاء قد اختلفوا في تلك الذوات القديمة فمنهم من قال إنه جسم واختلف في ذلك الجسم أي الأجسام هو ، فقال ثاليس الملطي انه الذي هو المبدع الأول ، ومنه ابدع الجواهر كلها من السماء والأرض وما بينهما ، وقال صاحب الملل والنحل وكأنه أخذ مذهبه من الكتب الإلهية ، ففي التورية ان اللّه تعالى خلق جوهرة ونظر إليها نظر الهيبة فذابت وصارت ماء فحصل البخار وظهر على وجهها بحسب الحركة زبد وارتفع منها دخان وحصل من زبدها الأرض ومن دخانها السماء ، وقيل الأرض وحصلت البواقي بالتلطيف وقيل النا وحصلت البواقي بالتكثيف وقيل البخار وحصلت العناصر بعضها بالتلطيف وبعضها بالتكثيف وقيل الخليط من كل شيء لحم وخبز وغير ذلك ، ومنهم من قال إنه ليس بجسم ، فقالت الثنوية من المجوس النور والظلمة ، فإنهما قديمان وبدؤ العالم من امتزاجهما ، وقال الحرنانيون منهم القائلون بالقدماء الخمس النفس والهيولى وقد عشقت النفس بالهيولى لتوقف كمالاتها عليها فحصل من اختلاطهما أنواع المكونات ، وقيل هي الوحدة فإنها تحيرت وصارت الواحدات نقطا ذوات أوضاع واجتمعت النقط فصارت خطّا واجتمعت الخطوط فصارت سحطا واجتمعت السطوح فصارت جسما وذهب جالينوس إلى التوقف في الكل إذ يحكى عنه أنه قال في مرضه الذي توفي فيه لبعض تلامذته أكتب عني اني ما علمت أن العالم قديم أو حادث وان النفس الناطقة هي المزاج أو غيره ، وقد طعن فيه اقرانه بذلك حين أراد من سلطان